الشيخ محمد الصادقي الطهراني
553
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وأخيرا ندرس من « لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ » أن الحائطة في قضاء الحاجة ، لا سيما الملتوية الخطرة ، أن تؤتى من أبواب متفرقة ، فان سدّت باب أو أبواب ، فهنالك أبواب أخرى أو باب . وهذه الحائطة الحكيمة تحلّق على كافة المتطلبات الهامة سلبا وإيجابا ، فالذي عنده نقود يخاف عليها ، عليه أن يحافظ عليها في مكانات متفرقة ، حتى إذا سرقت أم ضاعت من مكان ، تظل البقية الباقية محفوظة . إذا فهذه الحائطة ضابطة سارية المفعول في كل الحقول ، تبعّد عامليها عن الخسار ، ويقربه إلى اليسار ، كسبب ظاهري ، واللّه من وراءه حفيظ . وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) . « وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ » من أبواب متفرقة كما أمرهم أبوهم ، وطبعا من إحدى عشر بابا « آوى إِلَيْهِ أَخاهُ » من أبويه ، أتراه يعجل بإيوائه قبل استقبالهم جميعا وقبل كل شيء ، وفور دخولهم عليه ؟ لا شك انّ ذلك أوّل خاطر يساور يوسف عند دخولهم عليه ورؤيته لأخيه بعد الفراق الطويل ، ولا يكاد يصبر لشيء إلا أن يؤويه إليه ، ففي دخولهم عليه من أبواب متفرقة - / وهو عليهم رقيب - / مجال له غير مريب أن يؤوي إليه أخاه قبل أن يستقبلهم ، وقد آواه وكلمه غير طائل : « قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ » تعريفا له بنفسه في تأكيدات ثلاث ، وفرع عليه : « فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ » فاترك كل أسى وبؤسى بما كانوا منذ ذلك الزمن الطويل يفعلون بي وبك وبأبينا ، فقد حظوت الحظوة التي رأيتها في رؤياي وأولها أبونا « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ . . » .